ابن قيم الجوزية
85
البدائع في علوم القرآن
قال : وكان هذا المحدث يعرض ما يحدث به على ما جاء به الرسول ، فإن وافقه قبله ، تضبط رده ، فعلم أن مرتبة الصديقية فوق مرتبة التحديث . قال : وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات : « حدثني قلبي عن ربي » فصحيح أن قلبه حدثه ، ولكن عمّن ؟ عن شيطانه ، أو عن ربه ؟ فإذا قال : « حدثني قلبي عن ربي » كان مسندا الحديث إلى من يعلم أنه حدثه به ، وذلك كذب . قال : ومحدث الأمة لم يكن يقول ذلك ، ولا تفوّه به يوما من الدهر ، وقد أعاذه اللّه من أن يقول ذلك ، بل كتب كاتبه يوما « هذا ما أرى اللّه أمير المؤمنين ، عمر بن الخطاب » فقال : « لا ، امحه ، واكتب : هذا ما رأى عمر بن الخطاب ، فإن كان صوابا فمن اللّه ، وإن كان خطأ فمن عمر ، واللّه ورسوله منه بريء » وقال في الكلالة : « أقول فيها برأيي ، فإن يكن صوابا فمن اللّه ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان » ، فهذا قول المحدث بشهادة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأنت ترى الاتحادي والحلولي والإباحي الشطاح ، والسماعي مجاهر بالقحة والفرية ، يقول : « حدثني قلبي عن ربي » . فانظر إلى ما بين القائلين والمرتبتين والقولين والحالين ، وأعط كل ذي حقّ حقه ، ولا تجعل الزغل والخالص شيئا واحدا . فصل المرتبة الخامسة : مرتبة الإفهام معناه ، قال اللّه تعالى : وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ( 78 ) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) [ الأنبياء : 78 ، 79 ] فذكر هذين النبيين الكريمين ، وأثنى عليهما بالعلم والحكم . وخص سليمان بالفهم في هذه الواقعة المعينة . وقال علي بن أبي طالب وقد سئل : « هل خصكم رسول اللّه بشيء دون الناس ؟ » فقال : « لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهما يؤتيه اللّه عبدا في كتابه ، وما في هذه الصحيفة . وكان فيها العقل - وهو الديات - وفكاك الأسير ، وألا يقتل مسلم بكافر » . وفي كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه : « والفهم الفهم فيما أدلي إليك » فالفهم نعمة من اللّه على عبده ، ونور يقذفه اللّه في قلبه يعرف به ، ويدرك ما لا يدركه غيره ولا يعرفه ، فيفهم من النص ما لا يفهمه غيره ، مع استوائهما في حفظه ، وفهم أصل معناه . فالفهم عن اللّه ورسوله عنوان الصديقية ، ومنشور الولاية النبوية ، وفيه تفاوت مراتب